محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
456
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
بجمود الفطنة ، وكثرة البله ، وكل إناءٍ بالذي فيه يرشُحُ ( 1 ) ، ولو كنتَ من أهل المغاصات الغامضة ، والأذهان السَّيَّالة ، والقرائحِ الوقادة ، لظهر ذلك في رسائلك ، فلا مخبأ بعد بوس ، ولا عِطرَ بعد عَرُوس ( 2 ) ، فكيف تعيبُ الخصوم بعيبٍ أنت بمثله موصوم ؟ وكيفَ يَعيبُ العُورَ من هُو أعوَرُ السادس : أنّ الفلاسفة تدَّعي من التَّحذلق مثل ما أنت مُدَّعٍ ، ونعتقد في علماء المتكلمين من المسلمين كلهم من البله مثل ما أنت معتقد في المُحدثين ، فإنهم يدَّعون أن المسلمين غيرُ ممارسين للعلوم العقلية على ما ينبغي ، وأنهم همُ السُّبَّاق إلى تأسيس علم المعقول ، ووضع قوانين البراهين في فنِّ المنطق ، وأنّهُمُ المستبدُّون بذلك ، لصفاء أذهانهم ، وشدَّة غوصهم على الغوامض ، وكما أن ذلك - وإن كان حقّاً - لا يوجب صحة ما كنتم عليه من الكفر المعلوم ، وكذلك تشبُّثُ كثيرٍ من المتكلمين ببعض أساليب الفلاسفة في النظر والجدل لا يُوجِبُ صحَّة ما هم عليه من البدع ، هذا إن سلَّمتَ أنّ المدقِّق قد يَضِلُّ الطريق ، ولا ينفعه التدقيق ، وإن لم تُسلِّم ذلك ، فاتخذهم أئمة ، وانسلخ عن هذه الأُمة ، وفي هذا أكبرُ دليلٍ على نقض ما توهَّم المعترِضُ من تعليل إبطال المبطلين بعدم مُمارسة دقائق العلوم .
--> ( 1 ) في ( أ ) : راشح . وهو مثل يُضربُ في إفصاح الرجل بما يطبع به ، إن خيراً فخير ، وإن شرّاً فشر ، وهو في الأمثال : " كُلُّ إناءٍ يرشحُ بما فيه " ، ويروى : " ينضَحُ بما فيه " . انظر " مجمع الأمثال " للميداني 2 / 162 ، و " المستقصى " للزمخشري 2 / 224 . ( 2 ) وهذا المثل قيل فيه أكثر من مناسبة ، فيضرب على ذم ادخار الشيء وقت الحاجة إليه ، ويضرب على الاستغناء عن ادخار الشيء لعدم من يدخر له . وانظر : " فصل المقال " لأبي عبيد ص 426 - 427 ، و " مجمع الأمثال " 2 / 211 - 212 ، و " المستقصى " 2 / 263 - 264 .